آخر تحديث للموقع : الإثنين - 15 يونيو 2026 - 09:17 م

منوعات


*سر من خلف القضبان*

الإثنين - 15 يونيو 2026 - 07:44 م بتوقيت عدن

*سر من خلف القضبان*

ايمان خالد


الجو خانق، والضوء خافت، تفوحُ بالمكان رائحة الجرائم والاعترافات القذرة، يتسللُ دخان سجائري إلى خلف السجون، فيجري المساجين يمسكون قضبان السجن وهم يلهثون وكأنهم استنشقوا الحياة وقد كانوا في عز الموت !

يأخذُ أحدهم الكوب الماء المعدني ويضرب بها القضبان بقوة، اقتربت منه أسألهُ وأنا على معرفة بالإجابة
- ماذا بك؟ لمَ هذا الإزعاج ؟
قال وهو يتابع بنظراته دخان السجائر
- أعطني السيجارة !
وتتالت الأصوات
وأنا ، وأنا، وأنا
رميتُ السيجارة وأطفأتها بقدمي

فغر فاه، وابتلع صرخةً كانت ستسبب له الكثير من المشاكل وقال :
-سحقًا
ثمّ عاود الجلوس هو ومن معه وهم يتهامسون بالشتائم !

بعد دقائق من الصمت ناداني بهمس السجين س.ب ـ الذي ضرب القضبان بالكوب- اقتربت منه اسأله
- ماذا تريد ؟

حدق بالمساجين الذي بزنزانته وقال :
- اسمع، لا احد ينتبه لنا الجميع مشغول ، هيا اعطني سيجارة واحدة فقط أدخنها سرًا ولن خبر أحدًا أعدك بذلك .
ـ وماذا تفيدك هذه السيجارة ؟
رد بعد تنهيدة:
ـ وماذا يضرك إن أعطيتني واحدة؟
- الكل سيصرخ وأنا وأنا، وستسبب لي مشكلة .
- قلك لك لن يدري أحد، لا أعلم لماذا أنت دائمّا خائف!
فتحت قنينة ماء وشربت بسرعة وقلت :
- لا أريد أن أخسر عملي لأجل مجرم!
بقي شاردًا لبرهة وقال :
- أنا مجرم، لكنني أنال جزائي الآن بهذا السجن المتعفن، ثم ما معنى الإجرام بنظركم؟ هو كل خطأ يرتكبه المرء إذا كان لا يملك أي رتبة فقط!
لكن إذا ضبطت تهمة على شرطي مثلك أو ضابط أو أو أو.. إلخ
بالطبع لن يُسجن ولن ينال أي عقوبة !

شعرت بالنار تمشي في جسدي وقلت بغضب :
- ماذا تقول ! من قال هذا ؟ كل شخص ينال عقوبته
ضحك بسخرية وقال :
- هه لا تحاول إخفاء الحقيقة، لقد سمعتُ كل شيء من قبل السجان الذي يداوم ليلا ، حين كان يتحدث بصوت منخفض ويظن أن الجميع نائم ! ولكنني اقتربت من الباب وفتحت أذنيّ كما لما أفتحهما من قبل وسمعت كل شيء ممن يدعون الشرف والطهارة!
رددت عليه بقليل من الرعب الذي حاولت إخفاءه:
- أولا هذا تجسس ولا يجوز، ثانيًا لا يهمني ماسمعته لكن لا يحق لك أن تصدر هذه التهم بحق الشرطة!
رد متجاهلاً ماقلت:
-كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل أي إن الله كان في سابع سماء يقول هل من داع استجيب له، فألهمني الله أن أسمع لأدعي عليكم جميعًا! سيحرق هذا السجن بمن فيه بإذن الله.
قلت بتعب شديد : لقد أصابني الإرهاق سأجلس على كرسيي ولا أريد أن أسمع لك صوتًا .

قال وأنا أعطيه ظهري لأمشي متجاهلًا مايقول :
- ألا تريدُ أن تعرف من قام بسرقة هاتفك، وسحب صور عقيدتك ونشرها !

شعرت وكأن صاعقة مرت من جسدي وتجمدت في مكاني، ومر شريط ذكرياتي مع حبيبتي حنان، وكيف أنها تركتني بقسوة من دون أن تسمع مني حرفًا واحد، أنا الذي لم أشك بها للحظة واحدة، لا أعلم كيف صدقت كذبة أنني أنا من قمت بنشر صورها وأجعلها تتحمل ضرب والدها وإخوانها وحرمانها مني !
التفتُ إليه بسرعة وأدخلت يدي من قضبان السجن ورحتُ أمسكه بغضب من قميصه حتى شعرت أنني سوف أمزقه ، شددت عليه وأنا أقول :
- ما الذي أدراك بهذه القصة ؟ هيا تكلم ماذا تعرف أسرع وإلا موتك كان على يدي !

قال وهو يضحك ضحكة مستفزة:
حسنًا ابعد يدك، واجلس سأحكي لك

جلست بتوتر بالغ وأنا أنظر إليه مرهقًا والعرق يتصبب مني

قال بلهجة ساخرة : صديقك العزيز معاذ سمعته يتحدث بالهاتف ويقول بالحرف الواحد ، وأخذ يتظاهر أن يتحدث بالجوال ووضع إبهامه على أذنه :
ـ لقد تم الموضوع بنجاح ، نعم نعم لقد سحبت جميع الصور، أخذت هاتفه بحجة أن اتصل بأمي ونفذت طريقتك ، سأجعل هذا الغبي يندم على أخذه فتاتي،
ماذا ؟
لالا لا تقلق لقد قمت بفرمتة جهازي وكسر الشريحة التي نشرت بها الصور وهي ليست باسمي أيضا .
حاضر إلى اللقاء سنتواصل لاحقا
قلت بصوت يملأه الغضب :
غير معقول لا يمكن أن أصدقك غير معقول !

-بالطبع غير معقول ! حتى لو واجهته سينكر فليس لديك دليل ، هل ستستدلون بكلام مجرم مسجون ! ولكن اسأل نفسك كيف عرفت أنا كل هذا !
سكت لبرهة ثم قال :
في النهاية أنا من سأنال العقوبة بحجة أنني تبليت على شرطي وأسأت لسمعته وستزيد عقوبتي بالسجن إلى أن أتعفن.

ثم ضحك بصوت عال

إيمان خالد