آخر تحديث للموقع : الثلاثاء - 16 يونيو 2026 - 09:47 ص

منوعات


*لص*

الثلاثاء - 16 يونيو 2026 - 09:38 ص بتوقيت عدن

*لص*

ايمان خالد



يقولون ستهربُ عامًا ، وسيلقى القبض عليك بيوم واحد !
وفعلًا ، هذا ماحدث معي تمامًا.
مرحبًا أنا شريف، هو اسمي فقط ولم آخذ نصيبًا منه البتة، أعمل في مجال السرقة، أو بالأصح كان عملي، أنا الآن في زنزانة، أجلسُ بجانب المجرمين والقتلة، وأفَتّشُ كل يوم، هل يسرقُ اللص حتى وهو في السجن ؟ لا أدري ولم أفكر بهذا قط، لكن على مايبدو أن هذه هي الحياة ، الجميع هنا يعرف كيف سينتهي النهار ، تجلس يومين بهذا السجن فيدبُّ عليك الهزال والضعف !

قلت لكم إن بجانبي قتلة ومجرمون ، فأسألُ نفسي كل يوم هل أنا منهم ؟ أنا لم أقتل يومًا نملة، أحبُ الحياة لي ولغيري ، لكنني سارق بارع ، قضيتُ عمري كله في السرقة ، إلى أن ألقي القبض علي بتهمة سرقة علب الفاصوليا ، ولعلمكم لم أسرق مالًا بحياتي ، كل سرقاتي كانت لأشبع جوعي وجوع أسرتي.

أول يوم أسرق فيه أتذكره جيدًا ، كنتُ في الثامنة من عمري ، لم يشجعني أبي وأمي على ذلك بل على العكس أنا من أسرة متدينة ، بيد أنها كانت فقيرة جدًا، لكن المرء يعتاد، وأنا قد اعتدتُ على السرقة!
في ذلك اليوم الذي حملت به لقب (لص) كنت أملك قطعة نقدية أعطاني إياها والدي، بالكاد تجلب لي علكة واحدة ، تشجيعًا منه لحصولي على درجة كاملة في مادة الرياضيات، بينما صديقي حسن أعطاه والده ألف ريال (عندما كان للألف هيبة ) على الرغم من أنهُ حصل على علامة ناقصة، لكنني كنت دائمًا أسمعه يقول له: لا بأس الله يديم والدك ونقوده ! في ذلك اليوم أجهشت بالبكاء خلسة وانتحبت !

حين أصبح حسن طبيبًا على الرغم من معرفتي بأنه كان يرسب بكل مراحل حياته الدراسية ، عرفت ماذا كان يقصد والده "بالله يديم والدك ونقوده" ، وشعرتُ بالقلق على المرضى الذين سيتعالجون عنده.

نعود إلى موضوعنا، حين كانت معي القطعة النقدية التي تجلب لي علكة صغيرة، ذهبتُ إلى دكان جارنا العجوز ، كان يجلسُ على كرسيه بجانب البقالة، اقتربت منه وقلت له: يا جدو أريد علكة ، ومن فرط ثقته بي قال ادخل،
وخذ النقود وضعها في الوعاء الذي بالطاولة وخذ العلكة التي تريدها .
دخلت ووضعت النقود حيث قال ، على الرغم من أن هناك كانت مئات القطع النقدية لكنني ويشهد الله أنني لم آخذ قطعة واحدة ، بيد أنها أغرتني قطع السكاكر والعلك، فعبأت جيوبي جميعها بها، وخرجت إليه وأنا أحملُ علكة واحدة أريه مع أنني كنتُ أخشى أن يفتشني ويكتشف أمري ويلقي علي شتائم فظيعة، إلا أنه قال لي حفظك الله يا شريف، ما رأيك أن تساعدني دائما وأنا سأكافئك بالذي تريده من الدكان !
شعرتُ بحقارتي وقتها لأنني لم أكن أستحقُ هذه الثقة، لكنني وافقت !

وظللتُ أسرق هذا العجوز على الرغم من أنه كان يكافئني كل يوم بشيء من الدكان لكن كرمه هذا لم يشفع له ولم يمنعني من السرقة بل كنتُ أشعرُ بلذة بالغة وأنا أسرقه !

توفي الجد سيف بعد ثلاث سنوات من عملي معه في الدكان وفي سرقته، وسقط على نفسي حزن ساحق أثر موته ، وجاء أولاده وباعوا الدكان وتقاسموا كل شيء، أتذكر أن آخر شيء قمت بسرقته من دكانه علبة فول طبختها أمي بأفضل مايكون، حيث إننا كنا نتلذذ وكأننا نأكل لحمًا منديًا!

استمررت في السرقة ببراعة، وحين وصلت لسن المراهقة كان منزل صديقي حسن هو اهتمامي الوحيد، كنت أزوره لنلعب "البلايستيشن"
وحين أخبره أنني سأدخل الحمام أدخل المطبخ وآكل مما لذّ وطاب ولا أنسى أهلي طبعًا، أعبئ حقيبتي من كل شيء، وربما لو أنني طلبت حسن بعض الطعام ماكان يرفض ولكن عزة نفسي كانت تمنعني كما أنه سيظل يمن علي طوال حياته، فكانت السرقة هي الحل الوحيد لإسكات جوعي وجوع أسرتي .

حتى بعد أن عملت في حراسة أحد المولات وكنت استلم راتبًا شهريا ظللت أسرق؛ لأنني كنت معتادا على السرقة وكأنها شيء ضروري كالتنفس.

إلى أن جاء اليوم الذي كان لابد أن يجيء وقبض علي أخيرا، قبضوا علي وأنا أسرقُ الرغيف والمال مع أنها كانت المرة الأولى التي أسرق بها المال فشوهدت بالكاميرات وهأنذا في زنزانة مع المجرمين القتلة ، لم أشعر أبدًا بتعاسة مثل التعاسة التي أشعرُ بها الآن، كنت أملك بصلة استنشقها عند شعوري بالدوار لكنها سُرقت مني ، فهل هناك أحدٌ هنا يستطيع أن يسرقَ مني حزني وتعاستي وندمي إلى الأبد ؟!

إيمان خالد