آخر تحديث للموقع : السبت - 27 يونيو 2026 - 06:24 ص

شؤون البلد


قاضب: خرائط بلا ضمير.. حين يسرقون المدن من التاريخ

السبت - 27 يونيو 2026 - 05:13 ص بتوقيت عدن

قاضب: خرائط بلا ضمير..
حين يسرقون المدن من التاريخ

السقطري عبدالكريم بن قبلان



"حين تصير الخريطة خنجرًا" هكذا تُغتال المدن حين تُمحى من الخرائط "قاضب" المدينة التي أرادوا دفنها وهي حيّة. في زمنٍ صار فيه الحبر أقسى من البارود، لا تُقتل المدن بالمدافع وحدها. تُقتل حين تُشطب أسماؤها من الكتب والورق. تُغتال حين يرسم "المؤرخون الجدد" حدودًا بلا ذاكرة، وخرائط بلا ضمير.

هذا ما حدث لـ"قاضب" ولمنطقة "شئق". مدينتان من صلب سقطرى، من أوتادها التي قال فيها الخالق: "وجعلنا الجبال أوتادا". لكن يد العبث الحديث امتدت لتمحو الوتد، لا الجبل. لتشطب المدينة، لا التاريخ. فأي خريطة هذه التي تصدرها حماية البيئة بعنوان: " سقطرى الجميلة" لتُطمس التاريخ؟ وأي جمال في "سقطرى الجميلة" إذا بُترت رئتها التاريخية؟

أولًا: قاضب لم تكن اسمًا على ورق.. كانت بوابة البحر قبل أن تُرسم الخرائط، رسمت "قاضب" مصيرها بيدها.

1. بوابة التجارة: من جمركها خرجت "دم الأخوين" و"الصبر" و"اللبان" إلى الهند وممباسا وبعض البلدان الافريقية والبصرة. وعادت إليها بضائع عدن وحضرموت وقطر والبحرين وإلخ. سفنها "التوكل على الله" و"لبيبة" و"أمانة الله" و"العز" و"جمبابة" و"صفلق" لم تكن خشبًا، كانت شرايين سقطرى إلى العالم.
2. بوابة الحرب: دافعت عن كرامة الجزيرة حين كانت الكرامة تُنتزع بالسيف. لم تكن تابعًا، كانت رأس حربة مع "حديبوه وقلنسية".
3. بوابة الجغرافيا: قالها العقيد "حليف" بعد 1994 بلسان العسكري الذي ادرك الموقع فقال: "قاضب باب المدن السقطرية". من يملك "قاضب"، يملك شرق الجزيرة وغربها. من يعبرها، يعبر إلى المطار وإلى "حديبوه" وإلى البحر.

فهل تُمحى بوابةٌ من الخريطة؟ أم أن الهدف هو محو تاريخ مدينة باكملها؟

ثانيًا: قاضب وثيقة.. قبل أن تكون مدينة. ومن يطعن في قاضب، يطعن في التاريخ.

1. مخطوط 1305هـ للشيخ باسودان يذكرها بالنص: "بندر قاضب". والبندر في لسان العرب: المرفأ والميناء. فمنذ متى تُمحى الموانئ من الخرائط إلا في زمن القراصنة؟
2. مسجدها عام 1278هـ كان يضم: موري وكدح وعيهفت ودكسم وستروه وقعره ومدن وقرى مترامية عديدة. كان برلمانًا ومحكمة ودار للضيافة. كان فيه "مقعد" للقضاء و"مطبخ" للضيف. أي مدينة هذه التي يُنكر وجودها وهي تُطعم الغريب وتقضي بين الناس؟
3. "شهداء صبيحة الجمعة" على عقبة حيبق. دمٌ لا يُشطب. وتاريخٌ لا يُمحى.

ثالثًا: لماذا الخوف من قاضب؟ لأنها تفضح.
1. تفضح التزوير : تفضح كل خريطة أرادت أن تجعل من سقطرى بلا ذاكرة، بلا مراسي، بلا تجار، بلا شهداء.
2. تفضح التهميش: أن "التنمية" التي تتجاهل مدينة "قاضب"، ليست تنمية بل إعادة توزيع للنسيان.
3. تفضح العنصرية: اتهموني بالعنصرية لأني دافعت عن مدينتي. لكن العنصري الحقيقي هو من يمسح مدينة كاملة من الوجود لأنه يخاف من تاريخها.

كما قال شاعرها علي بن صالح بن قبلان رحمه الله تعالى

"قاضب" بلاد المشائخ
ما ترضي بالهون آخر الزمن

الخاتمة: قال النبي ﷺ: "لعن الله من غيّر منار الأرض" . وقاضب أرض. وقاضب حد. وقاضب وتد. فمسحها من الخريطة ليس خطأً فنيًا. هو خطيئة تاريخية. هو محاولة لقطع شريان، لطمس هوية، أو جذور حتى يسهل اقتلاعها. ولهذا "قاضب" لا تُمحى. لأنها ليست حبرًا على ورق. هي حبر في صدور الرجال، ودم في شرايين البحر، وحجر في أساس المسجد، واسم في مخطوطة، وستبقى "قاضب" مدينة. وسيبقى من محاها.. مجرد سطر عابر في هامش المزوّرين.

كاتب وناشط حقوقي
ثائر من المحيط