آخر تحديث للموقع : الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - 04:25 م
أوهام إبرا وهنري تسقط في مصيدة وهبي.. لماذا عجزت هولندا عن مجاراة المغرب؟
الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - 04:16 م بتوقيت عدن
عدن سبورت - متابعات - كوورة
لم تكد صافرة نهاية ملحمة دور الـ 32 في مونديال 2026 تُعلن عن التأهل التاريخي للمنتخب المغربي على حساب هولندا، حتى انفجرت استوديوهات التحليل العالمية بموجة من التصريحات النارية.
لكن المثير للدهشة، أن سهام النقد التي أطلقها أساطير بحجم زلاتان إبراهيموفيتش وتيري هنري، لم تتوجه للإشادة بالتوهج المغربي، بل انصبت بالكامل على جلد المدرب الهولندي رونالد كومان، متهمة إياه بـ"خيانة الهوية الكروية لهولندا" واللعب بأسلوب جبان ومنكمش أدى بالطواحين البرتقالية إلى الانهيار.
هذا الاختزال السطحي للأزمة من قِبل الأساطير، وصدمة الشارع الهولندي التي لخصت الهزيمة في "عناد كومان"، تنطوي على زاوية عمياء وظلم تكتيكي فادح؛ فهي لا تمثل مجرد هروب من الاعتراف بالواقع، لكنها تشكل انتقاصًا كبيرًا، مقصودًا أو غير مقصود، من العبقرية التكتيكية للمدرب المغربي محمد وهبي، والنسق المرعب الذي فرضه أسود الأطلس على أرض الميدان.
إن القول بأن هولندا خسرت لأنها لم "تفتح الخطوط" وتهاجم، هو قراءة بائسة للمباراة، تتجاهل حقيقة أن كومان لو فعل ذلك، لكانت شباكه قد استقبلت حصيلة تاريخية وقاسية من الأهداف أمام قطار هجومي مغربي لا يرحم.
ثورة محمد وهبي
منذ الدقيقة الأولى للمباراة، بدا واضحًا أن محمد وهبي لم يأتِ للدفاع أو اللعب على المرتدات كما جرت العادة التاريخية لبعض المنتخبات الإفريقية أمام عمالقة أوروبا.
وهبي دخل المباراة مستندًا إلى فلسفة تكتيكية هجومية بامتياز، قائمة على الاستحواذ الإيجابي الخانق، والضغط العالي في ثلث الملعب الأول للمنافس.
ولم يكن المنتخب المغربي يتبادل الكرات لقتل الوقت، بل كان يمارس عملية "تفكيك تدويري" لمنظومة هولندا الدفاعية، عبر تحركات عمودية سريعة، وتمريرات قصيرة في المساحات الضيقة، مكنته من السيطرة الكاملة على معركة وسط الميدان.
هذه الهيمنة الفنية المطلقة هي التي أجبرت كومان، مرغمًا لا بطلاً، على التراجع لحماية أطرافه وعمقه.
وأدرك كومان، بعقليته التدريبية الخبيرة، مبكرًا بعد مرور الربع ساعة الأول أن أي محاولة لمجاراة المغاربة في تبادل الهجمات أو تطبيق أسلوب "الكرة الشاملة" الكلاسيكي، ستكون بمثابة انتحار تكتيكي.
لقد واجه المدرب الهولندي منظومة مغربية متكاملة، تمتلك سرعات فائقة على الأجنحة، وعمقًا يربط بين الخطوط بدقة متناهية، مما جعل من الانكماش الدفاعي خياره الوحيد للبقاء على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة في المباراة.
انتقادات إبرا وهنري.. الهروب من حقيقة "العجز"
حينما خرج زلاتان إبراهيموفيتش بتصريحاته المعتادة بلهجتها الحادة، معتبرًا أن هولندا "بدت بلا شخصية وكأنها تخاف من قميصها"، وتبعه تيري هنري بتحليل يلوم فيه كومان على التخلي عن إرث يوهان كرويف، فإن الثنائي سقط في فخ "المركزية الأوروبية" التي ترفض الاعتراف بأن هناك منتخبًا من خارج القارة العجوز بات يمتلك القدرة على فرض هويته وإجبار كبار أوروبا على الانصياع لإيقاعه.
الحقيقة التي لا يريد هنري وإبراهيموفيتش مواجهتها هي أن "الهوية الهولندية" التي يتباكون عليها كانت ستتحول إلى ممر سهل لأسود الأطلس، ففتح الخطوط والاندفاع الهجومي أمام التوليفة التي يقودها محمد وهبي كان سيعني منح مساحات شاسعة للاعبي المغرب، الذين يتميزون بالسرعة الفائقة والتحول الهجومي الخاطف.
إن انتقاد كومان لأنه لم يهاجم هو تسخيف للمباراة.. فكيف تهاجم خصمًا يحرمك من الكرة، ويمتلك معدل استرداد سريع للمرتدات، ويخنق أنفاس لاعبي وسطك بمجرد أن تلمس أقدامهم العشب؟ كومان لم يختر الجبن، بل فرض عليه وهبي العجز.
دكة بدلاء من نار
ولم تقتصر عبقرية وهبي على الرسم التكتيكي الأساسي فحسب، بل تجلت في أبهى صورها من خلال "العمق المرعب" لتشكيلته وقدرة دكة البدلاء على تقديم نفس الجودة والكفاءة الفنية.
ففي الوقت الذي تبخرت فيه حلول هولندا تكتيكيًا، أجرى المدرب المغربي حزمة تبديلات هائلة شملت خروج ركائز ثقيلة مثل أيوب بوعدي، إبراهيم دياز، عز الدين أوناحي، بلال الخنوس، والمدافع شادي رياض.
منطقيًا، قد يؤدي خروج خمسة أسماء بهذا الثقل الفني إلى اهتزاز في نسق أي فريق، لكن العكس تمامًا هو ما حدث على عشب الميدان مع نزول الخماسي سفيان رحيمي، سمير المرابط، أنس صلاح الدين، ياسين جسيم، وشمس الدين طالبي؛ إذ جاء التأثير إيجابياً ومزلزلاً، فتسارع نسق الفريق وتضاعفت حيويته الهجومية دون أي تراجع في جودة الاستحواذ أو الصلابة الدفاعية حتى على مدار الشوطين الإضافيين.
هذا التجانس الفائق بين الأساسيين والبدلاء أثبت أن المنظومة المغربية تُدار بعقلية مؤسسية واضحة، حيث يتحرك البديل بوعي تكتيكي كامل يكمل لوحة الأساسيين، وهو الأمر الذي قضى تمامًا على أي فرصة لهولندا لالتقاط الأنفاس أو التفكير في العودة خلال الدقائق الأخيرة.
عدالة الميدان وصك العبور
قدم المنتخب المغربي في هذه المباراة شهادة اعتماده كقوة هجومية عظمى في مونديال 2026، حيث لم يكن الأداء مبنيًا على التوفيق أو تعثر الخصم، وإنما كان نتاج عمل تكتيكي منظم وضعه وهبي ونفذه اللاعبون بصرامة وانضباط غيرا به موازين القوى التقليدية في البطولة.
التقارير الصحفية التي ستصدر في أمريكا وأوروبا لتندد بخروج هولندا وتطالب برأس كومان، يجب أن تقف احتراماً أولاً أمام "البروفيسور" محمد وهبي.. فالرجل أثبت أن الكرة المغربية لم تعد تبحث عن الإنجازات العابرة بروح حماسية فقط، بل باتت تصدر للعالم مشاريع تكتيكية متكاملة تمتلك الأساس والبديل بنفس القوة.
وإذا كان كومان قد غادر المونديال مطأطأ الرأس تحت مقصلة الانتقادات، فإن عزاءه الوحيد أنه بأسلوبه الدفاعي حمى تاريخ هولندا من نتيجة قياسية وقاسية، كان وهبي ورجاله مستعدين لتدوينها في سجلات كأس العالم.
الثلاثاء/30/يونيو/2026 - 04:25 م
الثلاثاء/30/يونيو/2026 - 04:23 م
الثلاثاء/30/يونيو/2026 - 04:21 م
الثلاثاء/30/يونيو/2026 - 04:18 م